|
|
أهالي ترشيحا يحيون "يوم ترشيحا" في ذكرى سقوطها عام النكبة |
 |
إحتفل التراشحة، أو من بقي منهم في الوطن، بذكرى سقوط ترشيحا آخر مواقع الثوّار غيلة بعد أن باغتتها العصابات الصهيونية من جهة الجنوب من قرية يانوح العربية، حيث قدّر الثوّار أن تهاجم القرية من ناحية الغرب..
وكانت محاولات كثيرة قامت بها هذه العصابات لتركيع القرية باءت بالفشل وبخسائر كبيرة أوقعها الثوار الذين استبسلوا في الذود عن عروس الجليل..
وفي يوم 28/10/1948 وبعد أن قصفت بالطائرات أكثر من مرّة، وبعد أن قدّمت حصّتها من الشهداء، استطاع الغازي أن يدخلها وأن يلحقها بالمحتل من فلسطين فتصيبها كأخواتها النكبة الأولى الكبيرة فشرّد الكثيرون من أبناء هذه الناحية التي كانت مرشّحة لتصير مدينة وعاصمة للقضاء، وبقي قليلون من أبنائها الذين أبوا أن يتركوا ترابها وعبقها ودفأها..
وفي يوم إحياء ذكرى سقوطها، بادرت اللجنة الشعبية الى تنظيم مسيرة لطلاب المدارس الابتدائية، في الواحدة ظهرا، حيث طاف نحو 400 من أهل ترشيحا في حواري البلدة القديمة لإطلاع الصغار على تاريخ بلدتهم.. وسارت المسيرة في حارات ومعالم البلدة، فمرّت في حارات البركة والحمولة والمنزول والنصارى والحدادين والتحتا والفوقا وغيرها، حيث تولّى كبار السن مهمة شرح تاريخ ترشيحا لفلذات الأكباد ولتنتهي في الرابعة..
وفي نحو الخامسة والنصف، بدأت مواكب الأهالي والعائلات، صغارا وكبارا، تتجمّع في دوّار البلد ليلتئم الجمع في نحو ألف ترشحاني، ولتنطلق في نحو السادسة والنصف مسيرة المشاعل الصامتة التي طافت في حواري البلدة في منظر مهول تأثيره وأثره على الضمائر والقلوب، فاستفزّت هذه المسيرة دماء من بقي لا مباليا إذ حضر الكثيرون منهم وانضموا الى المسيرة وإلى المهرجان الكبير فيما بعد ملبين نداء باسل طنوس ويوسف عودة اللذين دأبا على تحريض الكرامة الترشحانية في اللامبالين أن ينضمّوا الى إخوتهم والى نصرة بلدتهم الغالية.
وفي نحو الثامنة، صعدت ابنة ترشيحا، الفنانة نسرين فاعور المنصة لتتولى عرافة المهرجان، الذي طلبت الى الجمهور في بدايته الوقوف دقيقة صمت لذكرى أرواح شهداء ترشيحا الذين قضوا منذ عام النكبة وحتى الراهن.. وأعلنت فاعور أن يوم 28/10 هو "يومك يا ترشيحا"..
وتحدّثت فاطمة الهواري، الشاهدة على يوم ترشيحا والتي أصابتها قذائف الطائرات فأقعدتها صبيّة صغيرة تنتظر مستقبلا في بيت دافئ.. وقالت الهواري وسط عواصف من التصفيق والهتافات بأن "واسي واسي واسي.. ترشيحا على راسي، ترشيحا عربية، إسلام ومسيحية"..
وغنّت الصبية روزان خوري ابنة ترشيحا بعضا من الأغاني الوطنية التي ألهبت حماس الشباب كالشيوخ، فغنت "بكتب إسمك يا بلادي ع الشمس ال ما بتغيب.. لا مالي ولا اولادي على حبك ما في حبيب".. وغنى الشاب أدريان حدّاد اغنية العملاق وديع الصافي "يا بني بلادك أرضك احميها"..
وقالت ناديا صعب ممثلة عن اللجنة الشعبية إنه "بعد سكون العاصفة كانت الولادة الجديدة.. ففي مثل هذا اليوم من العام 1948 حلّت النكبة على بلدتنا وخرج المئات منها والدموع في عيونهم والمفاتيح في جيوبهم، فرحلوا ولم ترحل ترشيحا عنهم"..
"وعادت النكبة الثانية في العام 1963 حين ضمّت ترشيحا الى معلوت فضاعت الكلمات والمعاني الترشحانية في لغة الأغراب.. الى أن وقفت ترشيحا وقفة واحدة وهبّة واحدة السنة الماضية في مثل هذا اليوم وقالت لا للطغيان والتهميش فبدأت مسيرة الكرامة"..
|
|
وتوجّهت عريفة المهرجان، نسرين فاعور الى ابن البلدة د.عزمي بشارة الذي وصل الى الكثير من شاشات التلفزة والى الكثير من المنابر، وسألت الانسان فيه لو كان واقفا اليوم في هذا البيت الذي اسمه ترشيحا فماذا يمكنه أن يقول في هذه الوقفة؟..
ورد بشارة "إنه برأيي ما تفعلونه الآن هو شيء يرفع الرأس وهذا هو شعوري الاساسي.. فمن ناحية تعرّف ترشيحا على تاريخها وعدم تنكّرها له، فباعتقادي أن هذا هو خطوة أولى للتصالح مع الذات ومع الهويّة بعد سنوات من محاولات خبيثة، في اعتقادي، دخيلة في كل الحالات لاعادة كتابة تاريخ ترشيحا كأنها حي في مستوطنة، في حين هي الأكثر عراقة وهي الاصل وهي التاريخ.. وفي كل مكان، حتى الانسان الترشحاني غير الواعي، لا بد أن يصادف تاريخ بلدته في معظم أقطار المعمورة، فانني اشهد أنني لم أزر بلدا عربيا واحدا الا وصادفت مثقفين وأكاديميين أو رجال أعمال من ترشيحا إما هاجروا أو أن أهلهم هجّروا في العام 48.. هنالك أمور ملفتة في هذه العملية التي قرّرتموها تقليدا سنويّا، إذ أنكم ستكتشفون أمورا عديدة عن ترشيحا اكتشفتها بالتدريج إذ لم يكفني ما سمعته من والدي ومن الأقارب.. ستكتشفون الكثير عن هذا البلد ليس فقط من حيث موقعه الاقتصادي المشهور، وانما ترشيحا من البلاد القليلة التي كانت بها لجنة قومية وإحدى البلدات القليلة التي قاومت في ال 48 بل تصدرت الى حدّ بعيد المعارك في المنطقة.. هذا مهم لان هنالك محاولة نشر وعي وكأن الناس باعت أراضيها ورحلت وهذا منتشر كثيرا في البلاد العربية لبنان وسوريا ودول الخليج بأن الفلسطينيين باعوا أراضيهم ورحلوا وهذا غير صحيح.. فترشيحا هي أحد الأمثلة الأكثر سطوعا على أن هذا افتراء وغير صحيح.. وبالتالي، هذا التعرّف على التاريخ، وهذا الإدراك أن ترشيحا لم تولد من معلوت ولم تتشعّب من المغرب وأن ترشيحا ليست حيّا في مدينة مختلطة ولها تاريخ ثابت على هذا كله كجزء من تاريخ المنطقة وتاريخ فلسطين وبلاد الشام وأهلها جزء الآن من العرب في الداخل في سعيها نحو المساواة.. باعتقادي هذا الادراك هو ما أنبت هذا الجيل الشاب.. بل إنني أقول أنني ألاحظ تراجعات في كل الأمكنة سوى في ترشيحا هناك تشامخ وصعود، ولهذا فأنتم ترفعون الرأس فعلا..
وزاد بشارة، انه في هذا الوقت الذي نرى فيه انعكاسا لوسائل الاعلام العربية على مزاج ووعي الناس من حيث العمل الوطني.. ففي ترشيحا، وخلافا لكل المعادلات يوجد تقدّم في الوعي الوطني الذي نراه هنا في هذا الجيل الصاعد الواعد.. وهي أجمل هديّة تقدّم وأنا متأكد أن ما تفعلوه هنا سيمنح معنويّة قصوى لأهل ترشيحا في الشتات أيضا وهذا شيء تشكرون عليه..
وأضاف بشارة أن المعادلة الصحيحة أن عزمي بشارة هو الذي يرفع رأسه بترشيحا وليس ترشيحا التي ترفع رأسها بعزمي بشارة"..
وحول سؤال العريفة ماذا يمكن أن يقول عزمي بشارة لأولئك من أبناء ترشيحا الجالسين في بيوتهم، قال بشارة:"إنه يقول لهم بأن لا شيء يجب أن يخيفهم، بل إن وحدة التراشحة هي ما يخيف.. فالمتواجدون هنا هم من يبغي المعنويات وهم الشجعان.. فأنا أعرفهم واحدا واحدا وكلهم ناجحون في حياتهم فليس الفاشلون هم من يلوذ بالعمل الوطني.."
وأضاف بشارة "انكم هنا تكتسبون الثقة بالنفس فلا شيء يخيف في هذه المرحلة سوى الخوف ذاته، ويجب الا نخاف ان نحتفي بتاريخنا، لكنني اعتقد أن القسم الأكبر ممن لم يحضروا هم غير معتادين فقط على مثل هذه الأنشطة وسيأتون حتما في المستقبل إذا ما اتخذنا هذا اليوم تقليدا سنويا بالفعل"..
هذا، وقد قدم الثنائي الترشحاني، الممثلان أيمن نحاس وحنا شمّاس مشاهد مسرحية تحدّثت عن يوميات الفلسطيني وحالته هنا وهناك ما وراء الحاجز.. وقدّم الزجّال الترشحاني مينا دكور زجلا شعبيا تغنّى بترشيحا وعزّتها ..
وانفض المهرجان بـ "ترشيحا عربية، إسلام ومسيحية.. واسي واسي واسي.. ترشيحا على راسي".. وعلى وعد باستمرار النضال حتى تحقيق حريّة عروس الجليل واستقلالها.
|
|
|
|