|
19. إغفال المسلسل لذكر دار أخبار اليوم وخدمة أصحابها للقصر، بعد أن تأسست الدار بأموال المخابرات المركزية عام 44.
لم نسمع اسم التوأمين في أي سياق.. وهما اللذان –إلى ضفاف كريم ثابت – كانا بوقي القصر آناء الليل وأطراف النهار.
على المقلب الآخر لم يأت ذكر إحسان عبد القدوس ودور مجلته في فضح مسألة الأسلحة الفاسدة، ومحورية دوره في التحريض على فاروق في عامه الأخير.
20. إغفال المسلسل تناول الدورين الأمريكي والبريطاني من السادسة صباحا وحتى السادسة مساءً من ذلك اليوم الطويل 23 يوليو 1952.
ولشد ما أضحكني حمل فاروق للسلاح من شرفة قصره مطلقا النار على محاصريه في رأس التين/الإسكندرية.
ذلك كذب صراح..لقد كان فاروق منهمكا في التوسل لكافري حتى يؤمن رحيله.. بسلام وأمان ومال ومجوهرات ومراسيم ويخت محروس.. ولم يكن في وارد لا أن يقاوم، ولا أن يستنجد بالإنجليز لعزوفه عن تكرار خيانة أحد أسلافه توفيق. عرف منذ الفجر أن الأمر قد قضي وفي القاهرة، وأنه لا نفع ولا فائدة إلا في طلب الستر والسفر.
نأتي الآن إلى مسائل اللباب:
1. كان فاروق وطنيا مصريا صميما وعربي الهوى والأفق...
"عروبته" تلك أسهم في وعيه بها وتمثلها جمع من خيرة رجال مصر أمثال عبد الرحمن عزام وصالح حرب ومحمد علي علوبة، الذين تحلقوا حوله مع مطالع الأربعينات، وأمدوه بزاد من المعرفة والتبيان مد به بصره عبر سيناء إلى الشرق والشمال، مجددا فهم أجداده الأوائل لأمن مصر الوطني.. وتخومه في الشمال من حلب.
فهمه السديد هذا هو ما قاده للصراع مع الهاشميين _ حلفاء الإنجليز ومنافسيه على الشام _ وإلى الإنتصار لقضايا العرب من المغرب إلى فلسطين.
والحق أن إهالة التراب على فاروق تمت على أيدي منافقي يوليو بأضعاف ما فعله أصحاب يوليو أنفسهم : هم مصطفى أمين ومحمد التابعي وأشباههم الذين أغرقوا سيرته بمداد من أفك جاوز كل حد.
هو باختصار رجل لم تتسع همته لآمال أمته، بل ولا لشعبه.
ما عنده قصر عن إدارة محافظة، فما بالك بدولة وبأهمية واحدة كمصر.
2. طريف أن يفوح أريج الملكية والليبرالية، مع المسلسل وإثره، حنينا عارما لفترة أصبحت عند البعض مثلا للاحتذاء.
تلك المظاهر "الديمقراطية" التي شاهدناها هي تعبير عن ديمقراطية الأقلية، بل ديكورها، فيما الأغلبية الغاطسة من شعب مصر كانت في واد غير ذي ضرع تعيش بؤس القهر والفقر والحرمان، ودونما أدنى صلة بما يدور بين الباشوات والبكوات والأفندية.
ما هذه الديمقراطية و/أو الليبرالية التي يقيل فيها سفير حكومة البلد المقيم عنده، ويقيل ملك رئيس وزرائه مقابل رشوة، وآخر لأنه اعتذر عن تعيين أفاق من عسس الملك وزيرا للحربية، ويملك فيها رأس المال الأجنبي واليهودي والمتمصر ما يفوق ثلاثة أرباع الثروة الوطنية، وتدرب فيها الفيلق اليهودي استعدادا لدور لاحق في اغتصاب فلسطين وعلى مرأى ومسمع من السلطات، وجثم فيها 80 ألف جندي بريطاني دون جهد مقاوم، فاعل وفعال، ما بين 19 – 51 ؟
3. لحاتم علي وافر الثناء على إدارته لعمل فني سعى للرقي بالجد كله: اختيار الممثلين/الممثلات .. الموسيقى التصويرية الأخاذة لطارق الناصر .. تيم حسن بالذات .. طريقة التصوير السينمائية .. الملابس والأزياء .. تحريك المجاميع داخل القصور (مع عباطتها في الخارج) ... كلها تضافرت لتصنع حدثا فنيا ذي ألق.
والحق أنني لم أفاجأ بجودة صنع حاتم، وهو الذي أتحفنا بثلاثية الأندلس، والتغريبة الفلسطينية، وصلاح الدين، وعصي الدمع، وعلى طول الأيام، والفصول الأربعة، والزير سالم.
لكن الأهم من هذا وذاك ضرورة أن يضحي " فاروق " منصة انطلاق لما هو أهم، وأعظم أثرا وتأثيرا.
في البال هنا تحديدا أن يتقدم حاتم علي – هو بالذات – ليخرج مسلسلا لرمضان المقبل عن جمال عبد الناصر .. وبالذات .
في البال معه جمال سليمان.. ناصرا.
أصل الآن إلى آل سعود ..
.... وهم منتجو العمل عبر إحدى قنواتهم – وما أكثرها – MBC.
لا يحتاج مخلوق للتنبؤ بحافز البيت السعودي لإنتاج عمل كفاروق.
عاش ذلك البيت، ولا زال، وشبح جمال عبد الناصر يحوم فوقه نذيرا ووعيدا.. ولا أظن ذاك العصاب مغادرهم، طالما هم على قيد الحياة.
ما يقض مضاجعهم ليس هو فقط شبح الماضي – والذي جاوز ثلث قرن من الغياب– وإنما رسالة المستقبل فيه، وهي التي تشي بكل ما يرتعدون منه.
هم لذا يحاولون بكل السبل أن يحاربوا عبد الناصر في لحده بأشد مما حاربوه في حياته.
قادهم هذا العصاب إلى تذكر فاروق.. ما الذي يسر لهم استلهام فاروق نظيرا لناصر؟
هو ما يدب في أوصال مصر من كره جلل لحاكم مصر الراهن، والذي يصبح فاروق أمامه – وبحق – حملا وديعا يترحم على أيامه المرء ثوابا ومرضاة لخالقه.
في هذا المناخ يستحضر فاروق.. لا لشيء إلا للتنفير ممن انقلب عليه وثار. هم يعلمون علم اليقين أن السنوات الأربع الأخيرة من ملك فاروق كانت خمائر التغيير الثوري، والخروج من إهاب ملكية تندثر إلى فجر يوم جديد يلوح على الأفق.
لذا لاغرو أن يجد المرء نفسه وقد غيبت من أمامه شواهد ذلك التغيير وإرهاصاته، وإشارات ما اعتمل في أحشاء مصر والمنطقة حينها من مخاض كبير وفارق.
بإنتاج المسلسل ابتغى آل سعود لا إنصاف سيرة فاروق – وهو في جانب غير يسير يستحق الإنصاف فعلا كما سبق تبيانه أعلاه – وإنما الإقتصاص من رمز جمال عبد الناصر، والمزيد من محاولة تلطيخ سيرته، بأمل أن يفيد ذاك في الخلاص من الشبح............. ولكن هيهات.
إن ما بين الشبح و"الآل" حرب وجود لن تحسم إلا بخروج أحدهما من ذاكرة الأمة... مرة وإلى الأبد.
والظن عندي أن جولة قادمة في هذا النزال الضاري ستكون مسلسلا عن عبد الناصر يحكي حكاية آل سعود كما هي على حبتها.. لا أكثر ولا أقل، وضمن حكايات كفاح أقام الدنيا ولم يقعدها، فخرج إليه منازلا حلف المؤسسة الأمريكية الحاكمة- و "آلاتها" "العربية"- وصهيون... واستطاع إليه سبيلا: أولا في نكسة الانفصال السوري/61، وثانيا في هزيمة يونيو/67، وثالثا في القتل المباشر/70 ...والإتيان بأنور السادات قائدا للثورة المضادة.
أربأ بحاتم علي أن يكون متورطا بوعي في إنفاذ مقاصد آل سعود، لكنني لا أعلم ما يكفي عن لميس جابر لأحكم.
لحاتم أطيب التهاني بحرفية فنية قديرة رغم الهنات، وعامر الأمل في أن يتلافى خطايا التأريخ في مرات قادمة بحذر الحصيف، وخالص التمني في أن يتحفنا بعد عام بمسلسل ... "جمال عبد الناصر".
|