مقالات وآراء
مخيم جنين- أسطورة في الذاكرة الوطنية!../ نواف الزرو
تاريخ النشر: 12/04/2007 - آخر تحديث: 07:31

حينما تجمع الشهادات الحية واعترافات ضباط وجنود العدو، وكذلك الوثائق والمعطيات على الأرض، على أن مواجهة المخيم كانت أسطورة عز نظيرها في تاريخ المواجهات والحروب مع دولة الاحتلال فان ذلك ليس عبثا اومبالغة اعلامية ...!

فقد خاض الفلسطينيون هناك على أرض المخيم معركة كبيرة.. كبيرة.. مشرفة.. مشرفة، أقسموا قبلها وخلالها على أن يقاوموا حتى الرصاصة الأخيرة.. وحتى الرمق الأخير.. وحتى النفس الأخير.. فاستبسلوا استبسالاً استشهادياً عظيماً لم يسبق أن شهدنا مثيلاً له على مدار كافة الحروب والمعارك التي وقعت بيت دولنا وفصائلنا وبين دولة الاحتلال الإسرائيلي على مدى العقود الماضية، إذا ما أخذنا بالحساب الخلل المفجع في موازين القوى العسكرية بين الطرفين..

فسطر أهلنا في المخيم مقاتلون ونساء وشيوخ وأطفال ملحمة بطولية صمودية أسطورية حقيقية سوف تترسخ وتتكرس وفق كافة المعطيات في الوعي والذاكرة الوطنية النضالية الفلسطينية والعربية على أنها من أهم وأبرز وأعظم الملاحم.

ولعل أهم ما وثق في هذه المعركة الملحمة هي تلك الاعترافات والشهادات التي تلاحقت على السنة ضباط وجنود العدو الذين دب الرعب والذعر والجبن في نفوسهم طوال ايام وساعات المواجهة بالرغم من الحصيلة النهائية التي آلت الى استشهاد نخبة من المقاتلين الجنرالات والى محو قطاعات واسعة من المخيم عن وجه الارض بفعل القصف الاجرامي جوا وبرا وبفعل اجتياحات الدبابات والجرافات الضخمة.

ولذلك إذ نتوقف اليوم أمام ملحمة مخيم جنين في ذكراها الخامسة فان لتلك الاعترافات والشهادات التي كنا نشرناها سابقا ونعيد نشرها اليوم أهمية بالغة خاصة انها تقدم لنا أسطورة التصدي والبطولة الفلسطينية ...
وفي هذا السياق اعترف أحد جنود كتيبة الهندسة العسكرية الإسرائيلية الإحتلالية التي شاركت باقتحام مخيم جنين فجر الرابع من نيسان 2002 قائلاً :«إن الوضع هناك مرعب ، ومن الأفضل عدم الدخول إلى هناك "صحيفة يديعوت أحرونوت"» ، وأضاف : «إننا ننتقل من بيت إلى بيت غير أنهم يقاتلون بشراسة».

وجاء في تقرير الصحيفة العبرية أيضاً :«المسلحون الفلسطينيون لا يغادرون المخيم، وهم يقاتلون.. لقد زرعوا مئات العبوات الناسفة وأعدوا السيارات المفخخة.. ولديهم حوافز مجنونة، ويقاتلوننا بشراسة ولا يتنازلون».. وأضاف جندي إسرائيلي آخر واصفاً القتال في المخيم: «إن ما يجري هناك يشبه الغرب الجامح، والجنود يستقبلون النيران الفلسطينية من كافة الاتجاهات، وفي كل الاتجاهات، كما تتطاير عشرات العبوات الناسفة من فوق رؤوس الجنود.. والرصاص أيضاً يمر قرب رؤوسهم "صحيفة يديعوت"».

واعترف جندي إسرائيلي آخر من لواء جولاني قائلاً : «أنه أسوأ قتال أشهده، حيث لم أواجه مثله حتى الآن في كافة معاركنا في المناطق، فإلى حيث نذهب نواجه بالنيران والعبوات المتفجرة.. وفي كل ثغر أو حفرة هناك مسلح فلسطيني.. "صحيفة معاريف"».

وصرح قائد الفرقة الجنرال اييل شلاين لإذاعة صوت إسرائيل قائلاً :«لقد تعلم الفلسطينيون من المعارك واستخلصوا العبر، وأخذوا يخوضون معارك هي الأشرس حتى الآن، عن صحيفة «هآرتس».
وأضاف مصدر عسكري إسرائيلي كبير عن المعركة في المخيم : «إن المسلحين الفلسطينيين الذين يواصلون التحصن في المخيم، يريدون تحويل المخيم إلى متسادا فلسطينية».. والمقاومة هناك قوية جداً "معاريف"».

ولعل من أهم التحليلات الإسرائيلية حول معركة جنين ذلك التعليق الذي نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" بقلم مراسلها العسكري روني شكيد، حيث جاء فيه :«تحول مخيم جنين للاجئين الفلسطينيين إلى أسطورة فلسطينية أخرى، إلى رمز القتال الفلسطيني العنيد، تحت شعار «النصر أو الموت»».

ووثق المحلل العسكري الإسرائيلي رؤوبن فدهتسور المعركة قائلاً : «أن من قرر احتلال مخيم اللاجئين في جنين قد أخطأ ليس فقط في تحليل المعطيات الإستخبارية بل وأيضاً في فهم آثار القتال هناك، فلا يغير في الأمر من شيء إذا أكمل الجيش الإسرائيلي احتلال المخيم، ففي كل الأحوال ستسجل هذه المعركة باعتبارها «ستالينغراد» الأمة الفلسطينية، - المصدر نفسه».

إذن... وبشهاداتهم أيضاً: لم يعد مخيم جنين مجرد رمز للمقاومة أو عاصمة للاستشهاديين، بل دخل التاريخ من أوسع أبوابه، لأن قصة صموده وبطولة مقاتليه دفعت إلى قراءة ما حصل هناك، خاصة مع اختلاف موازين القوى وحجم الخسائر وشراسة المعركة وعنفوانها، وقصة الخدع والإشراك التي تميز بها مقاتلو المخيم ، وفي النهاية قصة كل الشهداء، الذين قاتلوا حتى الرمق الأخير.

ولا تتوقف القصص والحكايات عند حد معين ففي كل زاوية وممر قصة، وتحت كل منزل مهدم وركام منثور بطولة شهيد التصق بالسلاح، هناك استشهد طه زبيدي، وهنالك استشهد شادي النوباني، وهنا استشهد الشيخ رياض بدير، وهناك أيضا محمود، ومحمد وغيرهم من المقاتلين الأبطال.

وهكذا .. يتحول مخيم جنين إلى رمز للبطولة الفلسطينية وأسطورة تتكرس في وعي وذاكرة الفلسطينيين والعرب على مدى التاريخ الراهن والقادم.

فقد سارع مئات المواطنين الفلسطينيين إلى إطلاق اسم «جنين» على أطفالهم الجدد، وتحول الاسم إلى نغمة على كل لسان. وفي هذه الدلالة قرر الفلسطينيون إقامة متحف وطني في مخيم جنين يطلق عليه اسم «متحف الكارثة والبطولة الفلسطينية»: البطولة الأسطورية الملحمية الفريدة الموثقة بكم الشهادات والاعترافات والتحليلات المشار إليها أعلاه وغيرها الكثير.. والكارثة / النكبة / المجزرة المروعة... الجريمة التي اقترفت عن سبق نية وإصرار وتصميم وتخطيط وقرار على أعلى المستويات الإسرائيلية... الجريمة التي ننتظر وينتظر أهل المخيم يوم الحساب عليها.

تعقيبات الزوار
يوصي 0 شخص بهذا
أضف تعقيباً
الاسم الشخصي :
البريد الالكتروني :
الموضوع :
التعقيب :
عليك تعبئة الحقول الاجبارية
تعليقات Facebook